سيد محمد طنطاوي

25

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أرسلنا عليهم الريح العقيم . أي : الريح الشديدة التي لا خير فيها من إنشاء مطر ، أو تلقيح شجر ، وهي ريح الهلاك وأصل العقم : اليبس المانع من قبول الأثر . شبه - سبحانه - الريح التي أهلكتهم وقطعت دابرهم ، بالمرأة التي انقطع نسلها ، بجامع انعدام الأثر في كل . ثم وصف - سبحانه - هذه الريح التي توهموا أنها تحمل لهم الخير ، بينما هي تحمل لهم الهلاك ، وصفها بقوله : * ( ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْه ) * أي : ما تترك من شيء مرت عليه . * ( إِلَّا جَعَلَتْه كَالرَّمِيمِ ) * أي : إلا جعلته كالشىء الميت الذي رم وتحول إلى فتات مأخوذ من رم الشيء إذا تفتت وتهشم . ويقال للنبات إذا يبس وتفتت : رميم وهشيم . كما يقال للعظم إذا تكسر وبلى : رميم . ومنه قوله - تعالى - : قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ . ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى بيان ما حل بقوم صالح - عليه السلام - فقال - تعالى - : * ( وفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ) * . أي : وتركنا - كذلك - في قصة صالح - عليه السلام - مع قومه آية وعظة ، وقت أن قال لهم - على سبيل الإنذار والتحذير من المداومة على الكفر . . تمتعوا بحياتكم التي تعيشونها في هذه الدنيا ، حتى وقت معين في علم اللَّه - تعالى - تنتهي عنده أعماركم . وهذا التمتع بالحياة حتى حين ، يحتمل أن المقصود به ، ما أشار إليه - سبحانه - في سورة هود بقوله : فَعَقَرُوها - أي الناقة - فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ويحتمل أن يكون المقصود به : ما قدره اللَّه - تعالى - من عمر منذ أن بلغهم صالح رسالة ربه إلى أن عقروا الناقة ، وحق عليهم العذاب . قال القرطبي : قوله : * ( وفِي ثَمُودَ ) * أي : وفيهم - أيضا - عبرة وعظة ، حين قيل لهم عيشوا متمتعين بالدنيا * ( حَتَّى حِينٍ ) * أي : إلى وقت الهلاك وهو ثلاثة أيام ، كما في سورة هود . . وقيل : معنى * ( تَمَتَّعُوا ) * أي : أسلموا وتمتعوا إلى وقت فراغ آجالكم « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما كان منهم من كفر وفجور فقال : * ( فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) * أي : فتكبروا واستهانوا بما أمرهم اللَّه - تعالى - به على لسان نبيهم صالح - عليه السلام - . * ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ) * وهي كل عذاب مهلك ، من الصعق بمعنى الإهلاك .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 51 .